الجصاص

372

أحكام القرآن

على قاذف الزوجة والأجنبية جميعا الجلد بقوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ) ثم نسخ ذلك عن الأزواج وأقيم اللعان مقامه ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء : " ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك " وقول الرجل الذي قال : أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت عن غيظ ! فأنزلت آية اللعان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية : " قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا فائتني بها " ، فلما كان اللعان في الأزواج قائما مقام الحد في الأجنبيات لم يجب اللعان على قاذف من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي . وأيضا فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم اللعان حدا ، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن أحمد بن نصر الخراساني قال : حدثنا عبد الرحمن بن موسى قال : حدثنا روح بن دراج عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المرأة وزوجها فرق بينهما وقال : " إن جاءت به أرح القدمين يشبه فلانا فهو منه " قال : فجاءت به يشبهه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا ما مضى من الحد لرجمتها " ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اللعان حد ، ولما كان حدا لم يجز إيجابه على الزوج إذا كانت المرأة مملوكة إذ كان حدا مثل حد الجلد ، ولما كان حدا لم يجب على قاذف المملوك . فإن قيل : لو كان حدا لما وجب على الزوج إذا قذف امرأته الحرة الجلد إذا أكذب نفسه بعد اللعان ، إذ غير جائز أن يجتمع حدان بقذف واحد ، وفي إيجاب حد القذف عليه عند إكذابه نفسه دليل على أن اللعان ليس بحد . قيل له : قد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حدا ، وغير جائز استعمال النظر في دفع الأثر ، ومع ذلك فإنما يمتنع اجتماع الحدين عليه إذا كان جلدا فأما إذا كان أحدهما جلدا والآخر لعانا فإنا لم نجد في الأصول خلافه ، وأيضا فإن اللعان إنما هو حد من طريق الحكم ، فمتى أكذب نفسه وجلد الحد خرج اللعان من أن يكون حدا ، إذ كان ما يصير حدا من طريق الحكم فجائز أن يكون تارة حدا وتارة ليس بحد ، فكذلك كل ما تعلق بالشيء من طريق الحكم فجائز أن يكون تارة على وصف وأخرى على وصف آخر . وإنما قلنا إن من شرط اللعان أن يكون الزوجات جميعا من أهل الشهادة لقوله تعالى : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ) إلى آخر القصة ، فلما سمى الله لعانهما شهادة ثم قال في المحدود في القذف : ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) وجب بمضمون الآيتين انتفاء اللعان عن المحدود في القذف ، وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في سائر من خرج من أن يكون من أهل الشهادة مثل العبد والكافر ونحوهما ، ومن جهة أخرى أنه إذا ثبت أن